
أطلعني مهندس الطيران المدني الذي هو أول مهندس معتمد من منظمة الطيران المدني: المهندس لمرابط ولد أحمذي على مقال تنموي يدخل ضمن دائرة التخطيط لاقتصاد الطوارئ والأزمات، سأعيد نشره هنا تعميما للفائدة ولفتا لانتباه حكومتنا وخاصة للوزارات المعنية بالتخطبط الاستراتيجي في هذا المجال الحيوي للطاقة. وهو ضمن التصورات المتميزة للشباب المتفوقين المختصين.
هي تصورات مبتدعة تتضمن تشخيصا محكما، وحلولا عملية تفيد في تحديد معالم ناجعة لسياسة طاقية متبصرة لبلدنا في ظرف دولي بالغ الحرج.
المقال:
((نحو مقاربة وطنية متكاملة لترشيد الطاقة في ظل التحولات الدولية
في سياق دولي متسارع ومضطرب، حيث أضحت الممرات البحرية الحيوية—ومنها مضيق هرمز—عناصر ضغط مباشر على أمن الطاقة العالمي، فإن أي اضطراب في هذا الشريان الاستراتيجي، الذي تمرّ عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، ينعكس فوراً على أسعار الطاقة وتكاليف النقل عبر العالم. وفي ظل اعتماد الدول المستوردة—ومنها موريتانيا—على الأسواق الخارجية، فإن أي ارتفاع في الأسعار يترجم مباشرة إلى زيادة في تكاليف النقل والإنتاج، مع ما لذلك من آثار ممتدة على القدرة الشرائية والتوازنات الاقتصادية.
وقد بادرت الحكومة الموريتانية، مشكورة، إلى اتخاذ إجراءات أولية ذات أثر ملموس، شملت فرض حظر التنقل الليلي، وترشيد استخدام السيارات الحكومية—لا سيما ذات الدفع الرباعي—وقصرها على الضرورات، إلى جانب توجيه الموظفين والمواطنين إلى تقليص استهلاك الطاقة في مختلف الاستخدامات. ويُضاف إلى ذلك ما راكمته البلاد خلال السنوات الماضية من خطوات في مجال الرقمنة، مكّنت من إنجاز عدد من الخدمات عن بُعد، كاستخراج الوثائق الإدارية، وتسديد بعض الفواتير، وإجراء تحويلات مالية، بما أسهم في تقليص الحاجة إلى التنقل.
وتشير تقديرات أولية إلى أن هذه الإجراءات يمكن أن تُسهم في خفض استهلاك الوقود الحضري بنسبة تتراوح بين 5% إلى 10% خلال أسابيع قليلة، وهو ما ينعكس إيجاباً على فاتورة الاستيراد ويخفف الضغط على الموارد العمومية.
غير أن طبيعة الأزمة، واحتمال امتداد آثارها، يفرضان الانتقال من منطق التوجيه العام إلى بناء منظومة إجراءات دقيقة، مبتكرة، وقابلة للاستدامة. وعليه، فإن المرحلة الراهنة تستدعي اعتماد استراتيجية متكاملة تقوم على المحاور التالية:
أولاً: إعادة هندسة الزمن الاقتصادي والمروري كرافعة للنجاعة الطاقوية
يمثل تنظيم ساعات النشاط الاقتصادي وضبط الحركة المرورية أداة سيادية فعّالة لتقليص الاستهلاك الطاقوي وتحسين كفاءة استخدام الموارد. فالازدحام المروري لا يقتصر على كونه إشكالاً خدمياً، بل يُعدّ نزيفاً طاقوياً صامتاً؛ إذ تشير دراسات دولية إلى أنه يرفع استهلاك الوقود بنسبة تتراوح بين 15% و25% في المدن النامية، نتيجة التشغيل غير المنتج للمركبات.
كما أن المركبة في وضع التشغيل على السرعة الدنيا (au ralenti) قد تستهلك ما بين 0.5 و4 لترات من الوقود في الساعة، تبعاً لنوع المحرك وحجمه، دون أي مردودية فعلية. وهو ما يعكس حجم الهدر الطاقوي المرتبط بسوء تنظيم الحركة وتكدس المركبات في فترات الذروة.
وعليه، يُقترح اعتماد حزمة من الإجراءات المتكاملة:
1) اعتماد نظام متدرج لأوقات الدوام
يهدف إلى توزيع الطلب على النقل والطاقة بشكل متوازن، والحد من التركز الحاد في فترات الذروة. ويمكن الاستئناس بالنموذج الإرشادي التالي، مع قابلية تكييفه وفق الخصوصيات الوطنية:
− 07:00 صباحاً: بداية الدوام المدرسي؛
− 08:00 صباحاً: بداية الدوام في الإدارات العمومية والقطاع الخاص؛
− 10:00 صباحاً: فتح الأسواق والأنشطة التجارية؛
− 13:00 بعد الزوال: نهاية الدوام المدرسي؛
− 17:00 مساءً: نهاية دوام الإدارات والقطاع الخاص المصنّف؛
− 19:00 مساءً: إغلاق الأسواق؛
− 21:00 ليلاً: إغلاق المجمعات التجارية الكبرى؛
− 23:00 ليلاً: إغلاق المحلات الصغيرة والمقاهي والمطاعم (مع استثناءات خدمية محددة).
يسمح هذا التدرج بتخفيف الضغط على شبكات النقل والكهرباء، ويسهم في تقليص الازدحام، مع ما يترتب على ذلك من خفض ملموس في استهلاك الوقود وتحسين زمن التنقل.
2) اعتماد مسارات مرورية ديناميكية وتوزيع زمني للحركة
يقوم هذا الإجراء على التكيّف الذكي مع أنماط التنقل اليومية، من خلال:
− تكثيف المسارات المتجهة نحو وسط المدينة خلال الفترة الصباحية لاستيعاب تدفق الموظفين ومراجعي الدوائر الحكومية والمتسوقين؛
− تعزيز المسارات العكسية (من المركز إلى الأطراف) خلال الفترة المسائية لتسهيل عودة المستخدمين؛
− استخدام إشارات مرورية مرنة وتوجيهات تنظيمية تقلل من الاختناقات.
من شأن هذه المقاربة أن تقلص زمن الرحلات وتحدّ من التشغيل غير المنتج للمركبات.
3) تشجيع النقل الجماعي والمؤسسي
يُعدّ النقل الجماعي من أكثر الأدوات فعالية في ترشيد الطاقة، إذ يمكن أن يخفض استهلاك الطاقة للفرد بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بالنقل الفردي. وعليه، يُستحسن:
− تحفيز استخدام الحافلات والنقل المشترك؛
− تشجيع المؤسسات على تنظيم نقل جماعي لموظفيها؛
− دعم المبادرات الخاصة في مجال النقل الحضري المنظم.
ثانياً: إصلاح نظام الدوام—استراحة الغداء كأداة للإنتاج والترشيد
أثبتت التجربة العملية أن اعتماد نظام دوام متواصل من الثامنة صباحاً إلى الخامسة مساءً، دون إدراج استراحة غداء منظمة، يفرز اختلالات مزدوجة على المستويين الطاقوي والإنتاجي. فمن جهة، يؤدي غياب تنظيم واضح لفترة الغداء إلى ارتفاع التنقلات غير الضرورية نحو المنازل، مما يزيد من استهلاك الوقود ويُفاقم الضغط على حركة المرور. ومن جهة أخرى، تُظهر بيانات إنتاجية العمل أن الأداء الذهني يتراجع بنسبة قد تصل إلى 20% بعد ست ساعات من العمل المتواصل دون استراحة، وهو ما ينعكس سلباً على جودة المخرجات وكفاءة الأداء المؤسسي.
وعليه، يُقترح اعتماد إصلاح عملي ومتوازن يقوم على الإجراءات التالية:
− إدراج استراحة غداء رسمية ضمن وقت العمل، بما يضمن استعادة النشاط الذهني والبدني للموظفين دون التأثير على الزمن الإجمالي للإنتاج؛
− توفير خدمات إطعام مؤسسي داخل الإدارات عبر شراكات منظمة مع قطاع المطاعم، بما يقلل الحاجة إلى التنقل ويعزز الاقتصاد المحلي؛
− تنظيم وضبط مغادرة مقار العمل خلال ساعات الدوام، بما يحدّ من التنقلات غير الضرورية ويضمن الانضباط الوظيفي.
ومن شأن هذا الإصلاح أن يحقق جملة من المكاسب المتداخلة، من أبرزها:
− تقليص التنقلات المرتبطة بالغداء بنسبة ملحوظة، وما يرافقها من خفض في استهلاك الوقود؛
− تحسين الإنتاجية العامة، نتيجة توزيع الجهد خلال اليوم بشكل أكثر توازناً ؛
− خلق ديناميكية اقتصادية جديدة داعمة لقطاع الخدمات، خاصة في مجال الإطعام المؤسسي.
وبذلك، لا يُنظر إلى استراحة الغداء كفترة توقف عن العمل، بل كأداة تنظيمية ذكية تُسهم في رفع الكفاءة وترشيد الموارد في آنٍ واحد.
ثالثاً: ترسيخ العمل والدراسة عن بُعد كخيار تكميلي مستدام
يمثل اعتماد العمل والدراسة عن بُعد—ولو بشكل جزئي ومدروس—أداة فعّالة لتقليص التنقلات اليومية وخفض استهلاك الطاقة، خاصة في البيئات الحضرية التي تشهد ضغطاً متزايداً على البنية التحتية للنقل.
ويمكن الشروع في هذا المسار بشكل تدريجي وعملي، من خلال تعميم نظام العمل عن بُعد ليوم واحد في الأسبوع (كنصف يوم الجمعة مثلاً)، مع تخصيصه للمهام القابلة للإنجاز الرقمي، مثل إعداد التقارير، ودراسة ومعالجة الملفات الإدارية، وعقد الاجتماعات الافتراضية. وتشير التجارب الدولية إلى أن هذا النمط يمكن أن يساهم في تقليص التنقلات اليومية بنسبة تتراوح بين 30% و50% في الأيام المعنية، مما ينعكس مباشرة على خفض استهلاك الوقود وتقليل الازدحام.
كما أثبتت التجارب التي رافقت جائحة كورونا أن العمل والتعليم عن بُعد ليسا مجرد حلول ظرفية، بل خيارات تنظيمية قابلة للاستدامة إذا ما تم تأطيرها بشكل مؤسسي. وعليه، فإن استثمار هذه الخبرات وتكييفها مع السياق الوطني من شأنه أن يعزز مرونة الإدارة العمومية، ويرتقي بجودة الخدمات، ويدعم التحول الرقمي في مختلف القطاعات، بما في ذلك التعليم.
رابعاً: من التدبير الظرفي إلى التحول البنيوي
لا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الإجراءات في أثرها الآني فحسب، بل في قدرتها على التحول إلى نموذج مؤسسي دائم يعيد تشكيل العلاقة مع الطاقة على أسس أكثر كفاءة واستدامة. فالأزمات، رغم تحدياتها، تمثل فرصاً لإعادة البناء وتحسين أنماط التسيير.
وفي هذا الإطار، يقتضي الانتقال من التدبير الظرفي إلى التحول البنيوي العمل على:
− ترسيخ ثقافة الانضباط الزمني باعتبارها ركيزة لتحسين الإنتاجية وتقليل الهدر في الوقت والطاقة؛
− اعتماد حلول تشغيلية منخفضة الاستهلاك في مختلف المرافق العمومية والخاصة، بما يشمل الاستخدام الأمثل للتجهيزات والموارد؛
− إدماج البعد الطاقوي في صناعة القرار، بحيث يصبح معيار الكفاءة الطاقوية حاضراً في كل سياسة عمومية أو نشاط اقتصادي.
ومن شأن هذا التوجه أن يفضي، على المدى المتوسط، إلى خفض ملموس في استهلاك الطاقة، وتحسين كفاءة الأداء الاقتصادي، وتعزيز القدرة على التكيف مع التقلبات الدولية.
إن ما اتخذته الحكومة من تدابير أولية يشكّل قاعدة صلبة للتعامل مع التحديات الراهنة، غير أن المرحلة الحالية تقتضي الارتقاء إلى نموذج أكثر تكاملاً، تتقاطع فيه الإدارة الذكية للوقت مع كفاءة التشغيل والتحفيز الاقتصادي، ضمن رؤية شاملة لإدارة الطلب على الطاقة.
فكل لتر وقود يتم توفيره، لا يمثل مجرد مكسب ظرفي، بل يُسهم مباشرة في تعزيز السيادة الطاقوية وتقليص الهشاشة أمام التقلبات الخارجية. ولتوضيح الأثر العملي لذلك، تشير تقديرات تقريبية إلى أن خفض استهلاك الوقود الحضري بنسبة تتراوح بين 5% و10% يمكن أن يؤدي ـ في بلد مستورد للطاقة ـ إلى تقليص فاتورة الاستيراد بما يعادل عشرات الملايين من الدولارات سنوياً، بحسب مستويات الاستهلاك والأسعار الدولية.
وتمثل هذه الموارد المالية وفراً استراتيجياً يمكن إعادة توجيهها نحو الاستثمار في البنية التحتية الحيوية، وتعزيز الخدمات الأساسية، ودعم النمو الاقتصادي الوطني، بما يعزز مرونة الاقتصاد وقدرته على مواجهة الصدمات الخارجية وتقلبات أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.
بهذه الرؤية، لا تكتفي موريتانيا بمواجهة الأزمة، بل تتحول إلى استثمارها كفرصة لإعادة تشكيل نموذجها التنموي، وترسيخ علاقة أكثر رشداً وكفاءة مع الطاقة من موردٍ يُستهلك إلى عنصر استراتيجي يُدار بحكمة واستبصار، في خدمة الاستقرار الاقتصادي والسيادة الوطنية.
نواكشوط 04 إبريل 2026
المهندس: محمد عبد الله عبد الكريم أحمذي
إطار بالوكالة الوطنية للطيران المدني،
وأول خبير دولي موريتاني في مجال الطيران المدني، معتمد من المنظمة الدولية للطيران المدني.))



