
تُثار بين الحين والآخر دعوات إلى الفصل الصارم بين الصحافة والتدريس، وكأن الجمع بينهما خطيئة مهنية أو تضارب أخلاقي لا يُغتفر. غير أن هذا الطرح، في كثير من الأحيان، ينطوي على تحامل غير مبرر على الصحافة المهنية النزيهة، ويُسهم في تشويه صورة الصحفي بدل مساءلة الاختلالات الحقيقية التي تعانيها المهنة.
فالصحافة، في جوهرها، رسالة قبل أن تكون وظيفة، والتدريس بدوره رسالة معرفية وتربوية. وكلاهما يلتقيان عند نقطة أساسية: خدمة المجتمع، وبناء الوعي، وترسيخ القيم. إن الصحفي الذي يدرّس لا يفقد مهنيته، كما أن المدرّس الذي يمارس الصحافة لا يتخلى عن أخلاقيات التعليم، بل قد يُغني أحد المجالين بالآخر إذا التزم بالضوابط المهنية والأخلاقية.
إن التحامل على الصحافة المهنية يزداد حين يُختزل المشهد الإعلامي في نماذج سلبية، أو في ممارسات دخيلة على المهنة، كالتملق والنفاق، أو الارتهان لمصالح المسؤولين ورجال الأعمال. لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن هناك أجيالًا من الصحفيين الشرفاء، الذين لم يعرفوا يومًا التزلف، ولم يجعلوا أقلامهم أدوات ابتزاز أو دعاية مدفوعة.
هؤلاء الصحفيون لم يكتبوا طمعًا في منصب، ولم يطرقوا أبواب السلطة طلبًا للرضا، ولم يؤجروا أقلامهم لمن يدفع أكثر. كانت الكلمة عندهم موقفًا، وكان الصمت أحيانًا أشرف من كتابة لا تشبههم. صحفيون آمنوا بأن مهنتهم سلطة أخلاقية ورقابية، لا وظيفة تابعة، ولا ملحقًا بمكاتب المسؤولين.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الجمع بين الصحافة والتدريس، بل في غياب معايير واضحة تحمي المهنة من الدخلاء، وفي ضعف بيئة تحترم الصحفي المستقل، وتكافئ النزاهة بدل الولاء. كما تكمن في محاولات مستمرة لإفراغ الصحافة من دورها النقدي، وتحويلها إلى صوت أحادي يخدم مصالح ضيقة.
إن الدفاع عن الصحافة المهنية النزيهة هو دفاع عن حق المجتمع في المعرفة، وعن حق المواطن في إعلام صادق ومسؤول. وهو أيضًا دفاع عن أولئك الصحفيين الذين ظلوا أوفياء لقيمهم، رغم الإقصاء والتهميش، ورغم حملات التشويه التي تستهدفهم كلما قالوا كلمة حق.
ختامًا، فإن الفصل الحقيقي الذي ينبغي أن نناضل من أجله، ليس الفصل بين الصحافة والتدريس، بل الفصل بين الصحافة والنفاق، بين القلم الحر والقلم المأجور، وبين الإعلام المهني والإعلام الذي باع ضميره. فالأقلام الحرة باقية، مهما اشتد التحامل، ومهما تبدلت الظروف.
محمدو ولد سيداحمد || كاتب صُحفي



