
أنشد الشيخ محمدو ولد حنبل الأعمري الحسني هذه الرائعة أمام مؤتمر تندوجه، الذي عقده الشيخ سيدي سنة 1856م.
كما أنشد سيدنا ولد الشيخ سيدي رائعته:
رويدك إنني شبهت دارا
على أمثالها تقف المهارى
تأمل صاح هاتيك الروابي
فذاك التل أحسبه أنار..
أنشد الفحلان القصيدتين أمام علماء ومشايخ وأمراء الأرض. ومنهم:
محمد الحبيب ولد أعمر ولد المختار ولد الشرقي؛ أمير الترازه؛ ومحمد ولد سيدي ولد أحمدو أمير البراكنه؛ و أحمد ولد عيده، أمير آدرار؛ واعلي ولد أحمد أمير أولاد اللب؛ (وجدت من صحح لي أنه بكار نفسه وليس ابنه محمد.) أمير تكانت. وانبثقت شعلة مقاومة الاستعمار من هذا المؤتمر، في محطته الثانية والثالثة.
وقد حضر هذا الاجتماع لفيف من أجلاء العلماء والأدباء وأنشدت فيه هذه القصيدة مع قصيدة الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيدي. وهي في نفس الروي، والموضوع، والمناسبة.
أنشر هذه القصيدة هنا لتعميم الفائدة، ولأن أحد رواد الصفحة سألني عن مطلعها، ربما ليبحث عنها فوفرت عليه الجهد؛ وهي قصيدة لم تنشر على نطاق واسع (بحر الخفيف):
حي بالبدء فالمليح ديارا
اصبحت من انيسهن قفارا
ومغاني الرفاق حيث أظلت
أسطر الأثل بينها الأنهار
ومغان على الربى ومغان
بالدويمات قد عفت أعصارا
ومغان بذي الأراقم جرت
كل صيفية بهن الإزار
ابت العين بعدها غير سهد
ودموع الجفون إلا انهمارا
وأبى القلب حيثما كنت إلا
هيمانا بعهدها وادكارا
طال ليلي بغيرها ونهاري
ولو أني بها لكن قصارا
فلئن صار سكنها حيث صار
وغدت عنوة بأيدي النصارى
لبما احتلها حواضر منا
قلدوا الأمر جلة أخيارا
سمكوا الدين: دين أحمد سمكا
حمد الدين ليله والنهار
فهم بين سادة حملوها
عند إلمامها الأمور الكبار
وكهول إذا الخطوب ادلهمت
طلعوا تحت ليلها فاستنار
وشيوخ إذا الظلام كساهم
قطعوا الليل عبرة واعتبارا
وغوان على الرمال تثنى
وشباب تناشدوا الأشعار
لا تغرنّك الليالي بصفو
وانتظر عند صفوها الاكدار
كل دهر يبدي لكل قبيل
بعد الاقبال صفحة وازورارا
أيها الشيخ إن ذا الأمر أمر
قد أذاب الكبود والأسحار
أصبح المسلمون في دار ذل
لا يطيقون بالبلاد قرارا
وغدا الكافرون طرا عليهم
واستباحوا أموالهم والديار
فهم بين خائفين ومجلى
في هوان وآخرين أسارى
أيها الشيخ لا برحت عمادا
وشعارا لديننا ودثارا
جرد العلم وانصر الدين نصرا
وذويه وجاهد الكفار
وتوكل على إله البرايا
عز عبد يستنصر الجبار
واطلب النصر من لدنه تجده
واستعن فيه الواحد القهار
وانتخب من معاشر الدين زحفا
كدجى الليل جحفلا جرارا
يذر الأكم بالحوافر قاعا
ومتون الحزون نقعا مُثارا
ويكاد الحديد في حافتيه مطلع الشرق يخطف الأبصار
فيه خوص من الجديل نواج
وعناجيج كالصقور تبارى
عاديات بكل أروع يغشى
من لظى الحرب اجة واستعارا
وإذا شمرت عن الساق يوما
فل منها النيوب والأظفار
كل ألف منهم عليه لواء
خافق الظل حيثما سار سار
بيدي وارد حياض المنايا
مظهرا بالشهادة استبشارا
يُلبس الأمن كلَّ ثغر مخوف
وقرى الروم ذلةً وصَغارا
أيها الشيخ قم مقاما حميدا
يورث الدين عزة وفخارا
إنما الناس تابعوك فقدهم
مستبيحا دار العدو جهارا
أيها الشيخ كان للدين قوم
ما ألوه حماية وانتصارا
قد اصيبوا بما اصبتم أو ادهى
فاستعدوا جلادة واصطبارا
ثم ذبوا عن دينهم بنفوس
ليس ترضى الدنيا الدنية دارا
كلما رام ضيره ذو عناد
عمموه مصمتا بتارا
وتعاطوه هكذا حاملوه
ثابت الركن آمنا ان يضار
وهو اليوم في يديكم فجدوا
ثم جدوا أو تعذروا إعذارا
ليس هذا يا شيخ أول خطب
خضت في فل حده الأخطار
فاشددن ازر ديننا واسع فيما
أمر الله المصطفى المختار
باكرته من الصلاة غيوث
ما بدا صبح دينه وانار.
انتهت.