
مشيب الفود إعلانا ينادي -بهجران الحبيب بكل ناد
هذا البيت مطلع قصيدة من بحر الوافر تقع في 27 بيتا حسب ما وجدنا منها و هي للعالم السني و الشاعر الأديب محمدو ولد أحمدو ولد الأزهري ولد الغزالي الشقروي (ت1939/1358) يفتخر فيها بعشيرته أهل الفالي يكدمهم (أحد بطون قبيلة الشقرويين "إداشغره" المشتهرين بالعلم) ، و خاصة القاضي الأمين بن العلامة الحارث بن محنض الشقروي (ت1934/1353) الذي نعته بكثير من نعوت المدح كالسيادة و العلم و الإفتاء و القضاء و الشجاعة . . . إلخ .
ذاكرا أنه سليل بيت تتالى فيه ستة من آباءه ما بين عالم أو قاض أو هما معا و ذلك عند قوله في البيت قبل الأخير :
و ساد له من الآباء قدما - أسود خمسة و أبوه ساد
و هناك رواية أخرى لعجز البيت تقول :
أسود عشرة و أبوه حاد
و هؤلاء الخمسة هم جدود الممدوح و سادسهم والده الحارث بن محنض و هم مرتبين ترتيبا تصاعديا عكس ما ورد في بيت الشاعر :
1 والده الحارث بن محنض (معا) صاحب التآليف المفيدة و الشروح العجيبة (ت1242)
2 جده الأول محنض (معا) بن سيدي عبد الل عالم و قاض (ت1290)
3 جده الثاني سيدي عبد الل بن اشتفغ المختار عالم و قاض يعتفد أنه توفي في حدود 1230هج تقريبا .
4 جده الثالث اشتفغ المختار بن محنض اشتهر بتنقله بين المحاظر طلبا للعلم حتى استقر به المقام في مدينة شنقيط فأخذ عن علمائها و جنى من مكتباتها حتى أشبع نهمه و تصدر ليصبح علما من أعلام العلم و المعرفة في حدود نهائيات القرن الحادي عشر (1000هج) و طيلة النصف الأول من الثاني عشر حيث يعتقد أنه توفي في ذلك التاريخ 1150هج .
5 محنض بن بانبلي لا تزودنا المصادرنا التاريخية بشي عنه سوى أنه سليل بيت علم و إن كان يغلب على ظني أنه لم يعمر فقصص ابنه اشتفع المختار الآنف الذكر كثيرة في طلب العلم و برور الوالدين و غالبا ما تذكر أمها فيها أما أبوه فلم أسمع عنه شيئا .
6 بانبلي (ذوالعمامة) بن الفالي يكدمهم يعتقد أنه عاش في القرن العاشر الهجري و ربما بعضا من الحادي عشر و هو الذي تنسب إليه مجموعة أهل بانبلي المقيم جلها في قرية عين السلامة (22 كلم جنوب غرب مدينة اركيز) . و قبل أن نورد القصيدة هنا بكاملها لا بأس أن نذكر مقطعا من ترجمة الدكتور أحمد بن حبيب الله لجده لأم القاضي الأمين بن الحارث حيث يقول في هذا المقطع : " هو القاضي الأمين بن الحارث الشقروي المتوفى عام 1353هج 1934م عن سبعين سنة إلا ثلاثة شهور، و قد أرخ محمد بن البرا لوفاته فقال :
بظهر الأربعاء "باح" من ربيع - النبوي قد سار للقبر الربيع
العالم الأمين نجل الحارث - أكرم به من شقروي باحث
عن الذي عنه أبوه بحثا - من العلوم و هو ما قط عبثا
في مجده و فضله لا تمتري - و قبره عند الكراع الأحمر
انظر وفيات الأعيان ص 66 .
و رثاه أحمدو بن محمد محمود بقوله :
ياعين جودي بدمع منك فياض - على الأمين المكين القانت القاضي
من لا يمين إذا مان القضاة و لا - يميل يوما إذا مالوا لأغراض
مرضية عند كل الناس سيرته - و ليس عن نفسه ما عاش بالراضي
قد أصبحت سنة المختار خاوية - على العروش و خرت بعد إنهاض
لا تشتمن بأمر أنت ذائقه - عما قريب ستسقى كأس إجراض
و تدل فتاويه و نوازله الفقهية في المسائل الملمة على مكانته العلمية و السياسية فقد درس على والده الفقه و النحو و خلفه في التدريس في مدرسته اللغوية التي نشرت العربية في السنغال .
و كان ورعا متواضعا نافذ الكلمة مقبول الرأي فإذا أصدر فتوى أو قال رأيا قوبل بالرضا مثال ذلك : فتاوه في شأن الضرائب التي تفرضها فرنسا على القبيلة و التي أثار توزيعها على الأفراد جدلا فقهيا حول من يدفع و من لا يدفع ، لأن فرنسا لم تفصلها فلما قال بأن ذلك يدل على شموليتها حتى لليتامى فاعتمد علماء المنطقة رأيه .
و رفض العمل قاضيا في الإدارة الفرنسية و أفتى بعدم جواز العمل فيها بالنسبة للشباب خوفا على دينهم .
و ظلت القبيلة متماسكة طيلة حياته بفضل حنكته و اعتداله في آرائه ." (د أحمد ولد حبيب الله تحقيق ديوان الشاعر محمد ولد ابن الشقروي م 2 ص 767)
و لعل فتواه هذه بشأن الضرائب هي مما عناه الشاعر بقوله في البيت 24 :
و إن يقرر على رق بنانا - تقر له الأنام بالانقياد
و هذه هي القصيدة :
مشيب الفود إعلانا ينادي - بهجران الحبيب بكل ناد
و واشيه أشاد بكل وشي - و بالإنشاء و الإنشاد شاد
و ناحت جوقة أودت بقلبي - بألحان على أعواد عاد
و ورد الهم بالأشجان يعدو - يغادرها تهجر أو تغادى
و نأي الحب هاج دموع عيني - جمادلها إذا جمدت جمادي
أمامة خلتي إن في بعادي - لججت فلا تصيخي للمعادي
يداهي خدنه يوما و يوما - إلى الإبراق و الإرعاد عاد
فإن يجنح لإخفاء التضادي - فلا يغررك ترقيش المضادي
و إن يسلق بألسنة حداد - فأصحيه بحلم منك باد
رويدك من تهيم بكل واد - لدى الحدثان لم تك من رواد
فإما تصرمين أمام حبلى - و تعدو عن زيارتك العوادي
فإني رب آنسة عروب - فواترها تجوب على الفؤاد
تجوب على الفؤاد بسهم لحظ - حداه للمنية سوق حاد
إذا أمنت من الواشين ارتقابا - تسارق بالرنو إلى سواد
تسارق نظرة و تريد أخرى - مخالسة إلى ذب الرياد
زمان يقودي غزلي فألفى - تبوعا للصبا سلس القياد
يساعدني الوصال فلست أخشى - صدودا من أميم و لا سعاد
فإما تسألي عني فجذمي - إلى طرفي مرتفع العماد
تعد له المفاخر كل حين - إذا يوما خبت نار الزناد
إلى ناديه يرجع كل ناد - و يلجأ من يثوب أو ينادي
و كم من عالم فينا جواد - نوافحه تفوح بعرف جاد
ينادي بالذي يدعو المنادي - و يبلغ صيته أقصى النوادي
إذا سالمته لا يعدو عاد - إليك أمنت غائلة التعادي
و ضرغام إذا خاشنت عاد - مخوفا في الدنو و في البعاد
هزبر في الوغى ليث اطراد - إذا يردى إلى الجواء راد
و إن يقرر على رق بنانا - تقر له الأنام بالانقياد
و شاع بعلمه و الحلم طفلا - و شاع بشعره في كل واد
و ساد له من الآباء قدما - أسود خمسة و أبوه ساد
به حزنا على الأنداء فخر - و مكرمة إلى يوم التنادي
بقلم الأستاذ : سيدي عبد الله الحارث