
كنا ونحن صبية صغار في مدينة المذرذرة، تلقى على مسامعنا ونرى بأعيننا أشياءَ يمارسها الكبار ويرددونها، ونحن نعتقدها يقينا، ونراها حقيقة ثابتة..
من تلك الروايات ما كان يفعله الناس بعد صلاة المغرب، تزامنا مع أصوات يُصدرُها طائرٌ كان يحلُّق في السماء مع حلول الظلام، وكلما مرَّ فزع الجميع وطفقوا يضربون الأرض بالنعال في مشهد استعراضي يضج له الجميع يقولون بصوت واحد: (سلَّالْ سِلْ بُوكْ، سِلْ امَّكْ)..!
يومها لم يكن هذا التصرفُ الفلكلوري رغم غرابته محل تساؤل بالنسبة لي.. لكنه ظل ماثلا في خيالي، وأمام عيني، ولم يكن الوحيد الذي استوقفني الآن.
بل كانوا يقولون إن مقبرة بالحي تُشعُّ بالنور، كل ليلة جمعة، ويغرقُ بعض الكبار في التخييلِ فيزعمون أنّ أضواء شوارع مدينة (رشاتور) السنغالية تُرى من مدينة "المذرذرة"!..
ولعل فيكم أيضا من يتذكر أحاديثهم عن الجنِّيِّ "بوفركاك" الذي يقال إنه موجود في مكان معلوم من المدينة، أو يتذكر زميله الجني الذي تخيلوه على صورة (معزاة) تتسكع في قلب المدينة وبالتحديد (حي الغسالة)..! ولا تنتهي المرويات الأسطورية عند هذا الحد بل يذكرون في مُتَخيَّلهم قصةَ شخصٍ نصفه حيوان والنصف الآخر آدمي...
هذه الخرافات ملأت أسماعنا، وبلغت منا مبلغ اليقين، أو على الأقل حكاياتٍ تجمع بين التخويف والإغراب ومتعة السرد، وتلك أساسات الأسطورة.. وجوانب بنائها الرئيسة.
الغريب أن هذه الحكايات كانت جزء من مجتمعنا هذا، حكمته لفترة طويلة وشكلت عقلاً جمعيا، يصدر عنه الجميع، ويتوارثه الأجيال..، ثم جاءت لحظة الصحو فارقة بين عصر الأسطورة والحقيقة.
فهل فيكم من يتذكر قصصا مشابهة، وهل كان الأسلاف يتداولون هذه الخرافات جهلا منهم بحقيقتها؟ أم لون من الإلهاء المتعمد؟ وما اسم ذلك الطائر الذي أثيرت حوله كل هذه الأساطير؟