
لما استبطأ الناس نزول الغيث و ساءت بهم الظنون ، و بقي كل في حيرة لا يدري ما يفعل بماشيته، فشهر أغسطس قد أوشك على الانقضاء، و لم يبق من إبان تهاطل الغيوث إلا شهر واحد، و ربما إذا تهاطلت فيه لا تنبت، و لم تعد لهم طاقة و لا حيلة على مواصلة إطعام الماشية بالعلف ، فقد بلغوا غاية العجز و منتهى الحيلة، فهم في هم و اظطراب شديدين ، زاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر، و ظن بالله الظنون . و ما هذا إلا ابتلاء للمؤمن عساه يلجأ و يتضرع و ينطرح بين يدي ربه تائبا باكيا نادما يلح في الدعاء عالما علم يقين أن هذا الأمر لا يرفعه إلا الواحد الأحد الصمد الذي قال في محكم تنزيله : " و هو الذي ينزل الغيث من بعدما قنطوا و ينشر رحمته و هو الولي الحميد ". ففي هذا الجو القاتم كان مما باح به الشعراء هذه القصيدة التى بين أيدينا للشاعر إدوم ولد الداه ، و من عجيب أمرها أنه لم يكن بينها و بين نزول الغيث إلا ساعات قليلة، فقد كتبها صاحبها في أول يوم من أيام التشريق مساء الأربعاء بين العصر و المغرب فما انتصف الليل حتى استجاب الله ذلك الدعاء فتنزل الغيث و غشيت الناس السكينة و الرحمة فشعروا بالهدوء و الطمأنينة و راحة البال بعد الذي كان من سوء الحال .
عسى الله بعد المرسلات اللواقح - من القوم أن يشفي حر الجوانح
و يبرده بالري من رحماته - بغيث من الوسمي غاد و رائح
و يصرف عنا السوء و الهم و الأسى - و يثنى شبا حد الخطوب الفوادح
فتخضر أرجاء البلاد و تحتذى - بأنواع أزهار الرياض الفوائح
و تخصب حتى تطمئن قلوبنا - و تهتز أطماع النفوس الطوامح
فقد بلغت ما لا يفرج كربه - سوى الروض إثر الساريات الدوالح
أيا من بنى السبع الطباق و مثلها - و عظم أيام الحصى و الذبائح
و من شأنك العفو الكثير عن الورى - و من شأنك المألوف ستر الفضائح
أدر علينا من عطائك ضرعه - و أنبت لنا من زرعه كل صالح
مع اليمن في أمن و عافية معا - و جنبه ربي عابثات الجوانح
و إن نحن جئنا بالجبال من الخطا - فكم لك من ضعف من العفو سانح
فأنت الذي تخشى و تعنى و ترتجى - لمحو و غفران الذنوب القبائح
و تمنح من آلائك الجزل و الذي - كبا عنه أرباب العطا و المنائح
صلاة و تسليم يسحان دائما - بخير جدير بالثنا و المدائح