بين الإلحاد والتفكير...والتوجيه والتكفير (1)/الإعلامي احمد أبو المعالي

جمعة, 02/21/2020 - 10:03

لم يعد سرا أنه في بلاد المرابطين أو بلاد شنقيط الموسومة بالمنارة والرباط من يجاهر بعبارات وتصريحات تارة تصطدم ببعض المفاهيم العقدية،(بعضها صارخ الإلحاد ) وتارة أخرى تنخر في صلب الحياء والذوق الرفيع ، وتارة تحاول كسر ضلوع ما تعارف عليه الخيرون من أبناء البلد من وقار وحشمة لاسيما في تعاطي الأمور العلمية والفكرية...وليست موجة "الانحراف" هذه إلا جزءا من انحراف قد يتخذ أنماطا ومظاهر مختلفة، لكنها في نهاية المطاف تصب في بوتقة التطرف وخانة "الاختلال الفكري" أيا كانت الزاوية التي يطل منها ذلك التشوه الفكري ،وغالبا ما يكون "التطرف" رد فعل غير موفق لمقتضيات متعددة على تطرف يطل من زاوية أخرى مقابلة..وبالاعتدال في الطرح والوسطية في التعاطي والفهم، ونشر العدالة وتوفير الحريات وعدم دفع الانحراف- أيا كانت زاويته بانحراف آخر أيا كانت درجته -يمكن الرجوع بأقل الخسائر إن صح التعبير ..
ولعل من الأزمات التي تعقد الحل النظر من زاويتين للموضوع إحداهما تعتمد المقاربة الأمنية بتبني خطاب "الحدة والشدة"فقط تعزز ذلك عاطفة جياشة توصد الأبواب الأخرى وقد تجلى أن ذلك لايمكن أن يكون – وحده – علاجا ناجعا وأن الشطط في الانحراف أوسوء الفهم ليس متماثلا،ولعوامل متعددة لايمكن أن يكون ذلك هو مدار علاج القضية بينما ترى النظرة الأخرى أن الفضاء ينبغي أن يبقى مفتوحا على مصراعية دون ضوابط وقواعد وهي نظرة تسير في فلك الفوضى وتكسير الثوابت فتختفي الحدود والحواجز مطلقا وهي نظرة لايقبلها العقل ولا النقل فلكل أمة هويتها وخصوصيتها ومثل ذلك أقرب لعبث الأطفال لايرعى مصلحة ولا يخدم مشروعا
والحديث هنا ليس عن أشخاص محددين أو حادثة محددة بقدر ما هو تناول في السياق العام للموضوع يسعى لتصور معالجة قد تأوي إلى ركن سديد وشديد

في هذا السياق تتنزل مواقف وقراءة شباب ضاق ببعضهم رحب فضاء ما ..شباب يتوقد بعضهم ذكاء وعبقرية...شباب يحسون بشيئ ما على هذا الكوكب الدوار غير سليم..يودون لو يقومون اعوجاجه .شباب يبحثون عن "الحقيقة" التي يقتنعون بها لا التي يرغمون على اجترارها دون استيعاب واعتقاد...شباب قد تشطح بهم الكلمات فيتجاوزون خطوطا سيفهمون عند النضج أنها كانت فاقعة اللون مرة المذاق، قد لاتساعد رائحتها على ترديد النفس كثيرا.
شباب فتحوا عيونهم على عالم متشابك يستطيع أحدهم بضغط يسير على زر صغير أن يجوب بلاد الله الواسعة عبر الشبكة العنكبوتية وهو متكئ على حصير متواضع أوتحت خيمة تذروها الرياح ،ويطلع على ما تيسر له من معارف وعلوم وأفكار ورؤى..وأن يعاشر ويحاور من يصفي من الأقران والأحبة والأخلاء دون رقيب أو حسيب لاتحده الخيمة ولا (لفريك) ولا منطقة محددة والتعامل معه بذلك المنطق لن يجدي نفعا وهو أشبه لاستخدام بكرة لمعالجة خلل في جهاز توصيل الماء بأحد القصور الفخمة
لذلك من الطبيعي أن يتأثر بعضهم ببعض الأطروحات الفكرية والثقافية التي ربما تصادم ما ألفه المجتمع وما يؤمن به وما "يقدسه" ،أو تشكل احتكاكا مزعجا مع بعض المفاهيم والقيم الأخلاقية التي يبناها المجتمع.
صحيح أن للأسرة دورا كبيرا في توجيه الأبناء وتربيتهم وفق الأسس والمبادئ التي تواضع عليها أبناء المجتمع ، لكن في ظل"صخب المدينة" وضوضاء الإنترنت" تصبح سلطة الأسرة محدودة التأثير أحيانا بل وربما تخور قوة القيم المجتمعية فيتحرر بعض الشباب من كثير مما لقنه لهم ذووهم ومجتمعهم.

وبطيعة الحال فإن من واجب المجتمع انطلاقا من عقده الديني ورباطه الاجتماعي أن يحاول رد هؤلاء إلى جادة الصراط السوي بالطرق المناسبة ،وأن يبدأ بعلاجهم بالآليات والسبل المتاحة عل وعسى..وليس من المنصف الحكم على المريض ب"القتل الرحيم "عند أول تشخيص.
ويمكن في هذا السياق مراعاة مجموعة من الضوابط:
- إجماع إعلامي على عدم نشر ما فيه " تطاول مسف" على الدين وعلى الرموز الدينية وهذا أمر واجب شرعا وتعززه القوانين والدستور.وليعلم هؤلاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرم الاستماع للشعر الذي فيه هجو له فما بالك بنشر النثر المتطاول عليه
-التحقق من نسبة "القول الموهم" إلى قائله حتى لايؤخذ أحد بجريرة لم يرتكبها وليس كل من رمي بالانحراف منحرفا ولا ينبغي الخلط بين ما للخلاف فيه متسع وما ليس كذلك والعجب من من يفرحون لأن فلانا سطر " انحرافا أو يبتهحون بأنه انزلق عن الجادة لأنهم يختلفون معه في هذه االرؤية أو تلك
- التحقق من مراد صاحب القول ومناقشة الدال بموضوعية حتى نتوصل إلى "المدلول" المراد عند قائله لاما قد يفهم البعض منه، وهو ما قد يخفف عند تحري الأمر من حدة بعض المقولات والتحليللات لسوء اختيار العبارة جهلا لاعمدا.وربما يؤدي إلى اعتراف القائل بالخطإ وبالتالي رجوعه أو تحويره ليناسب ما يريد دون أن يصطدم بجدار "الانحراف." وحينها نكسب الرهان دون خسائر.
-من حق الشباب أن يطرحوا أسئلتهم وما ران على أفكارهم من شبهات ومحاصرة الأسئلة ومنع طرحها ليس واردا ولا منطلقا شرعيا فقد طرح السؤال الأكبر" آلله أمرك بهذا؟"مع بداية الدعوة الإسلامية وشهدت الحضارة الإسلامية عبر تاريخها طرح شبهات مختلفة وانبرى العلماء والمتخصصون للرد والإجابات والحوار مقدمين الأدلة والبراهين وليس من المنطقي مقابلة تلك الشبهات بالنكير فقط ولف الرؤوس وتركها دون أجوبة أو الاكتفاء بالدعوء بالويل والثبور وعظائم الأمور
قد يقول قائل إن في ما يطرحه البعض تجاوزا للأسئلة إلى الأجوبة وأن وراء الأكمة ما وراءها ..ورغم وجاهة هذا الطرح من جهة إلا أنه لايعفي من مسؤولية "الأجابة" و التعميم في هذا السياق غير وارد
- وأعتقد أن مفهوم "الاستتابة" في الفقه الإسلامية يتفيأ هذا الظل ..فالفرصة التي تعطى "للمرتد" حتى يؤوب إلى رشده –وإن اختلف العلماء في مداها الزمني- لاتعني بالضرورة وضع السيف على الرقبة ومطالبته بالعدول فورا أو حز رأسه..بل يكون نقاشه ومعرفة أسباب انحرافه كفيلة بحصاد ما لاتحصده "الصوارم"فمعرفة مكمن الانحراف وتبيين الشبهات قد يزيل الدرن والرين ..ولنا في حوار رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من أسلم وأعلن عدم إقلاعه عن الزنا درس في " المجادلة بالتي هي أحسن" وقد أقلع الرجل مقتنعا لا تحت حد "الخوف من "الحد الشرعي"وهو درس دعوي مهم لابد من فهمه واستيعابه
- -البحث عن نقاط التقاطع والالتقاء مع هؤلاء لتكون جسرا للتفاهم والتواصل ..فليس كل ما يؤمنون به أو يصدحون بترتيله "فسادا وخسرانا مبينا" بل فيه أمور يشترك فيها معهم الخيرون من أبناء هذا البلد ..واللجوء إلى خيوط التلاقي وتقوية نسجها أعظم أجرا وفائدة وأكثر جدوائية من استئصال المترهلة والمتآلكة بأسلوب قد يعزز من تآكل نقاط الاتفاق وترهلها نهاية المطاف.
- .إن بعضا منهم يتقاطع مع الكثيرين في محاربة الظلم تحت أي شعار ، والوقوف إلى جانب الطبقات المهمشة والاصطفاف إلى جانب المحرومين وابن السبيل والسائلين..والشوق إلى الحرية التي هي من أجل النعم على العباد ،والتطلع إلى دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع أمام القانون،ومحاربة الغلو في فهم الشرع مما قد يكون سندا للغلاة لسفك الدماء البريئة من المسلمين قبل سواهم ،وتخريب بيوت المؤمنين قبل بيوت غيرهم تحت صرخات :التكبير"التي يضعها هؤلاء في غير سياقها السليم،وتترك هزات ارتدداية من غير المحصنين تجاه هذا "التكبير" فضلا عن مصادرة حقوق الآخرين والحكم عليهم وتنفيذ الحكم وفقا لفهم وتأويل أولهما ضيق والآخر غير سليم.
-على حملة الشرع وحفظته والعاملين فيه إزالة اللبس عن كثير من المفاهيم والمصطلحات التي قد يركن إليها البعض لما يراه نقدا للإسلام أو بعض شرائعه وهو في حقيقة الواقع قد يكون نقدا أو رفضا لفهم معين أو تأويل محدد أو سلوك حمل طابع الدين بفعل قوانين المجتمع التي قد تضع شعارات "الدين" على بعض معتقداتها أو سلوكها دون وجه حق حتى تنجلي الحقيقة ويزول الغبش .أوقد يكون إعجابا بفكرة ما أو خطاب ما يتبناه هذا المفكر أو الباحث أو ذلك ولذا من المفروض أن يزال الغبش وتجد الأسئلة العقدية والفكرية المعلقة إجابة مقنعة
فالدعاء بالويل والثبور أقل إقناعا من كشف المستور وتوضيح الإشكال.
فما أحلى أن تتعانق "العاطقة" والعقل" في علاج المشكل لا أن نتكئ على عاطفة إيمانية غير "معقلنة" ولا أن نستند إلى عقل محايد لا تخالجه العاطفة الإيمانية.
لاننكر أن بعض هؤلاء قد يشطح كثيرا ويعلن عداوته للإسلام دينا وللمسلمين أمة وهذا المستوى من التطرف لايمكن أن يكون وراءه بحث عن "الحقيقة المطلقة" أو تأويل فاسد .أومآزرة فكرة نبيلة..لكن ربما يكون هؤلاء قلة ولا ينبغي محاسبة الأكثرية بشراسة ثلة قليلة.

القسم: 

وكالة المنارة الإخبارية

على مدار الساعة